محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يريد : حسرت السربال عن كفي ، ونحو ذلك من المقلوب . وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول ، الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره . قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا الذي ذكرناه عمن قال معناه : خلق الإنسان من عجل في خلقه ؛ أي على عجل وسرعة في ذلك . وإنما قيل ذلك كذلك ، لأنه بودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة ، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح . وإنما قلنا أولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب ، لدلالة قوله تعالى : سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ علي ذلك ، وأن أبا كريب : حدثنا قال : ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجمعة لساعة " يقللها ، قال : " لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أتاه الله إياه " فقال عبد الله بن سلام : قد علمت أي ساعة هي ، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة . قال الله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي وعبدة بن سليمان وأسير بن عمرو ، عن محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وذكر كلام عبد الله بن سلام بنحوه . فتأويل الكلام إذا كان الصواب في تأويل ذلك ما قلنا بما به استشهدنا خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ولذلك يستعجل ربه بالعذاب . سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أيها المستعجلون ربهم بالآيات القائلون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : بل هو شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون آياتي ، كما أريتها من قبلكم من الأمم التي أهلكنا بتكذيبها الرسل ، إذا أتتها الآيات : فَلا تَسْتَعْجِلُونِ يقول : فلا تستعجلوا ربكم ، فإنا سنأتيكم بها ونريكموها . واختلفت القراء في قراءة قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ فقرأته عامة قراء الأمصار : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ بضم الخاء على مذهب ما لم يسم فاعله . وقرأه حميد الأعرج : " خلق " بفتحها ، بمعنى : خلق الله الإنسان . والقراءة التي عليها قراء الأمصار ، هي القراءة التي لا أستجيز خلافها . وقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المستعجلون ربهم بالآيات والعذاب لمحمد صلى الله عليه وسلم : متى هذا الوعد ؟ يقول : متى يجيئنا هذا الذي تعدنا من العذاب إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به من ذلك ؟ وقيل : هذَا الْوَعْدُ والمعنى الموعود لمعرفة السامعين معناه . وقيل : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ كأنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به . و " متى " في موضع نصب ، لأن معناه : أي وقت هذا الوعد وأي يوم هو ؛ فهو نصب على الظرف لأنه وقت . القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ يقول تعالى ذكره : لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون عذاب ربهم ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار ، وهم فيها كالحون ، فلا يكفون عن وجوههم النار التي تلفحها ، ولا عن ظهورهم فيدفعونها عنها بأنفسهم . وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يقول : ولا لهم ناصر ينصرهم ، فيستنقذهم حينئذ من عذاب الله لما أقاموا على ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله ، ولسارعوا إلى التوبة منه والإيمان بالله ، ولما استعجلوا لأنفسهم البلاء . القول